أبي الفرج الأصفهاني
228
الأغاني
فدخل إلى الفضل فترضاه لي فرضي ؛ ثم قال له : ويلك يا عون ! إنه واللَّه إنما هجاك وأنت ترى أنه قد مدحك ، ألا ترى إلى قوله : « غلام يرضيك » ! هذا تعريض بك ؛ قال : فكيف أصنع به مع محلَّه عند الأمير ! . شكا إليه المأمون أصحابه ثم غناه وأطربه فأجازه : أخبرني الصّوليّ قال حدّثني عون عن إسحاق ، وأخبرني بعض الخبر / إسماعيل بن يونس عن عمر بن شبّة عن إسحاق ، ولفظ الخبر وسياقته للصّوليّ ، قال : استدناني المأمون [ 1 ] يوما وهو مستلق على فراش حتى صارت ركبتي على الفراش ، ثم قال لي : يا إسحاق ، أشكو إليك أصحابي : فعلت بفلان كذا ففعل كذا ، وفعلت / بفلان كذا ففعل كذا ؛ حتى عدّد جماعة من خواصّه ؛ فقلت له : أنت يا سيّدي بتفضّلك عليّ وحسن رأيك فيّ ظننت أنّي ممّن يشاور في مثل هذا ، فجاوزت بي حدّي ، وهذا رأي يجلّ عنّي ولا يبلغه قدري ؛ فقال : ولم وأنت عندي عالم عاقل ناصح ؟ فقلت : هذه المنزلة عند سيّدي علَّمتني ألَّا أقول إلَّا ما أعرف ولا أطلب إلا ما أنال ؛ فضحك وقال : قد بلغني أنّك في هذه الأيام صنعت لحنا في شعر الرّاعي ولم أسمعه منك ؛ فقلت : يا سيّدي ، ما سمعه أحد إلا جواريّ ، ولا حضرت عندك للشرب منذ صنعته ؛ فقال : غنّه ؛ فقلت : الهيبة والصّحو يمنعاني أن أؤدّيه كما تريد ، فلو آنس أمير المؤمنين عبده بشيء يطربه ويقوي به طبعه كان أجود ؛ قال : صدقت ، ثم أمر بالغداء فتغدّينا ، ومدّت الستارة فغنّي من ورائها وشربنا أقداحا ؛ فقال : يا إسحاق ، أما جاء أوان ذلك الصوت ؟ فقلت : بلى يا سيّدي ، وغنيّته لحني في شعر الراعي : صوت ألم تسأل بعارمة [ 2 ] الديارا عن الحيّ المفارق أين صارا [ 3 ] بلى ساءلتها فأبت جوابا وكيف تسائل الدّمن القفارا - لحن إسحاق في هذين البيتين خفيف ثقيل بالوسطى - قال : فاستحسنه وما زال يشرب عليه سائر يومه ، وقال لي : يا إسحاق ، لا طلب بعد وجود البغية ، ما أشرب بقيّة يومي هذا إلَّا على هذا الصوت ؛ ثم وصلني وخلع عليّ خلعة من ثيابه . مدح أعرابية له : حدّثني الصّوليّ قال حدّثني عون بن محمد قال حدّثني إسحاق قال : كانت أعرابيّة تقدم عليّ من البادية فأفضل عليها ، وكانت فصيحة ؛ فقالت لي ذات يوم : والذي يعلم مغزى كل ناطق لكأنك في علمك ولدت فينا ونشأت معنا . ولقد أريتني نجدا بفصاحتك ، وأحللتني الرّبيع بسماحتك ؛ فلا اطَّرد لي قول إلَّا شكرتك ، ولا نسمت لي ريح إلَّا ذكرتك .
--> [ 1 ] في « مختار الأغاني » ( ص 156 ) : « الأمين » . [ 2 ] عارمة : موضع في ديار بني عامر بنجد ، وقيل : ماء لبني تميم بالرمل . ( انظر « معجم البلدان » لياقوت و « معجم ما استعجم » للبكري في الكلام على عارمة ) . [ 3 ] في « مختار الأغاني » ( ص 157 ) و « شرح القاموس » و « اللسان » مادة ( عرم ) : « سارا » بالسين المهملة .